عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

378

روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )

وغاب عن الوجود ، ومنهم آخرون أيضا يحبون ولكن تستروا بالجنون كما قدمت أيضا من إنشاد بعضهم حيث يقول : وموّهت دهري بالجنون على الورى * لأكتم ما بي من هواء فما انكتم فلما رأيت الشوق والجذب قاتلي * هجرت طعامي والشراب ولم أنم فإن قيل مجنون فقد جنّ في الهوى * وإن قيل مسقام فما بي من سقم وكذلك قلت في معنى ذلك : سقى اللّه قوما من شراب وداده * فهاموا به ما بين باد وحاضر يظنهم الجهال جنوا وما بهم * جنون سوى حبّ على القوم ظاهر قلت هذه مع أبيات أخرى ، وقد قدمت ذلك الكتاب . ومنهم آخرون يجمعون في التستر بين الوله والتجريد ، يوهمون الناس أنهم لا يصلون ولا يصومون ويكشفون عوارتهم حتى يساء الظن بهم ولا ينسبون إلى الصلاح ، وهم يصلون ويصومون في الباطن فيما بينهم وبين اللّه تعالى ، وقد شوهد كثير منهم يصلون في الخلوات ولا يصلون بين الناس ، وسيأتي الكلام في أهل التجريد في آخر الكتاب في فصل الجواب ، وهناك يوضح حكمهم وبيان من يعتقد ومن لا يعتقد ، ومن جملة المجردين الشيخ ريحان كان في عدن ، وأظنه حبشيا معتقا كان يصدر معه في الظاهر شئ مما ينكره ظاهر الشرع ، وله كرامات مشهورات ، وها أنا أحكى عنه الآن بعض الحكايات . ( الحكاية الرابعة والأربعون بعد الأربع مئة عن المؤلف ) قال المؤلف كان اللّه له : أخبرني بعض الأخيار أنه كان بعض الناس في ساحل بحر عدن ، فأغلق باب البلد دونه فلم يقدر أن يدخل ، فبات في الساحل ولم يكن له عشاء ، فرأى الشيخ ريحان في الساحل ، فأتى إليه وقال : يا سيدي أغلقوا الباب دونى وما معي عشاء وأنا أشتهي منك أن تطعمنى هريسة ، فقال الشيخ ريحان انظروا إلى هذا يطلب منى العشاء وما يريد أيضا إلا هريسة كأني أنا مهرسا أصنع الهريسة ، فقال له يا سيدي لا بد أن تطعمنى ذلك ، قال فلم أشعر إلا والهريسة حاضرة حارّة في الحال ، فقلت يا سيدي بقي السمن ، فقال انظروا